الشنقيطي
90
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
فلو خاف حدوث مرض مخوف في جنسه فهو كخوف الموت ، وإن خاف طول المرض فكذلك في أصح الوجهين ، وقيل : إنهما قولان ، ولو عيل صبره ، وأجهده الجوع فهل يحل له الميتة ونحوها أم لا يحل حتى يصل إلى أدنى الرمق ؟ فيه قولان ذكرهما البغوي وغيره ، أصحّهما : الحل . قال إمام الحرمين وغيره : ولا يشترط فيما يخافه تيقن وقوعه لو لم يأكل ، بل يكفى غلبة الظن . انتهى منه بلفظه . وقال ابن قدامة في المغني : إذا ثبت هذا فإن الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل ، قال أحمد : إذا كان يخشى على نفسه سواء كان من الجوع ، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي ، وانقطع عن الرفقة فهلك أو يعجز عن الركوب فيهلك ، ولا يتقيد ذلك بزمن محصور . وحد الاضطرار عند الحنفية هو أن يخاف الهلاك على نفسه أو على عضو من أعضائه يقينا كان أو ظنا ، واللّه تعالى أعلم . * * * المسألة الثالثة : هل يجب الأكل من الميتة ونحوها إن خاف الهلاك ، أو يباح من غير وجوب ؟ اختلف العلماء في ذلك ، وأظهر القولين الوجوب ؛ لقوله تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة : 195 ] وقوله : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً ( 29 ) [ النساء : 29 ] . ومن هنا قال جمع من أهل الأصول : إن الرخصة قد تكون واجبة ، كأكل الميتة عند خوف الهلاك لو لم يأكل منها ، وهو الصحيح من مذهب مالك ، وهو أحد الوجهين للشافعية ، وهو أحد الوجهين عند الحنابلة أيضا ، وهو اختيار ابن حامد ، وهذا هو مذهب أبي حنيفة - رحمهم اللّه - وقال مسروق : من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات ، دخل النار ، إلا أن يعفو اللّه عنه . وقال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا : وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة بل هو عزيمة واجبة ، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيا ، نقله القرطبي وغيره . وممن اختار عدم الوجوب ولو أدى عدم الأكل إلى الهلاك أبو إسحاق من الشافعية ، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة - رحمهم اللّه - وغيرهم ، واحتجوا بأن له غرضا صحيحا في تركه وهو اجتناب النجاسة ، والأخذ بالعزيمة . وقال ابن قدامة في المغني في وجه كل واحد من القولين ما نصه : وهل يجب الأكل